حذر الدكتور ألون بن مئير، رئيس معهد حل النزاعات الإنسانية من أن سعي إسرائيل المتسارع نحو إقامة "إسرائيل الكبرى" وفقًا للتعاليم التوراتية ليس انحرافًا عن المسار، بل هو تتويج لعقود من الضم التدريجي والتوسع الدولي. وإذا لم يُكبح جماحه، فسيرسخ هذا السعي الاحتلال الدائم، ويُؤجج الصراع في المنطقة لأجيال، وقد يُفضي في نهاية المطاف إلى تقويض إسرائيل كدولة قابلة للحياة.
وتستند رؤية "إسرائيل الكبرى" إلى تفسيرات متطرفة لآيات الكتاب المقدس، وتشير إلى فرض السيادة اليهودية من "نهر مصر" إلى نهر الفرات. في السياسة المعاصرة، وفقًا لـ مئير، أفرزت هذه الرؤية طموحين متداخلين: سيطرة إسرائيلية مطلقة على جميع الأراضي الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن، ونفوذ أو هيمنة على أجزاء من مصر والأردن ولبنان وسوريا والعراق.
وقال مئير في تحليل نشره موقع "ميدل إيست أون لاين"، إن "ما كان في السابق مجرد خيال مسيحي غامض، تحوّل إلى سياسة دولة. وقد رسّخ الائتلاف الحاكم الحالي بقيادة نتنياهو هذه الرؤية من خلال "الضم التدريجي": إعادة تصنيف مساحة شاسعة من أراضي الضفة الغربية على أنها "ممتلكات للدولة"، وتسريع وتيرة التوسع الاستيطاني، وإنشاء كتل تقطع التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية، وتوسيع النفوذ العسكري الإسرائيلي".
وأكد أن "هذه ليست إجراءات أمنية معزولة، بل هي عناصر من مشروع إقليمي متكامل"، مشيرًا إلى أن محكمة العدل الدولية قضت بالفعل بعدم شرعية الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، "ومع ذلك، لا تزال القيادة الإسرائيلية تتصرف وكأن الوعد الإلهي يعلو على الالتزامات الدولية".
الأفق الفلسطيني
بالنسبة للفلسطينيين، يقول مئير، إن السعي وراء إسرائيل الكبرى لا يعني مزيدًا من الاحتلال، بل يعني نهاية أي أفق سياسي. فبدلًا من أن تشكل أساسًا لدولة مستقبلية، يُعاد تشكيل الضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة محاطة بالبنية التحتية الإسرائيلية والمستوطنين المسلحين والقوات العسكرية، بينما تُعامل غزة كمخزن يمكن التخلص منه لأشخاص غير مرغوب فيهم.
ورأى أن الأخطر من ذلك، أن مشروع إسرائيل الكبرى يُطبع العنف البنيوي كمبدأ تنظيمي دائم للحياة الفلسطينية: رفض تراخيص البناء، وفرض قيود تعسفية على الحركة، وتجريم التعبير السياسي، وعنف المستوطنين الممنهج الذي يُمارس دون عقاب.
وشدد مدير معهد حل النزاعات الإنسانية على أنه لن يقبل أي مجتمع فلسطيني بهذا الواقع إلى الأبد، "إن افتراض إمكانية تجريد خمسة ملايين شخص من ممتلكاتهم، وتقييد حريتهم، وإذلالهم، وحرمانهم من التمثيل السياسي الحقيقي دون تطرف، هو إنكار للدروس الأساسية للتاريخ، متوقعًا مع "ازدياد تشدد عمليات الضم، ستتصاعد المقاومة المسلحة والتمردات المحلية والعصيان المدني الجماعي، مما سيؤدي حتمًا إلى مواجهة عنيفة كارثية وعدم استقرار إقليمي".
التداعيات الإقليمية
ويتطرق التحليل إلى ردد فعل الدول العربية، قائلاً: "أدانت الدول العربية التي أبرمت اتفاقيات سلام مع إسرائيل مرارًا وتكرارًا المستوطنات الجديدة والضم التدريجي، لكن معظمها اكتفى بالتصريحات، محاولاً الموازنة بين الغضب الشعبي والتعاون الأمني والاقتصادي والتكنولوجي مع إسرائيل".
ووصف كلاً من الأردن ومصر، الدولتين العربيتين اللتين تربطهما أقدم معاهدات سلام مع إسرائيل بأنهما "في وضعٍ حرجٍ للغاية. فقد بُرِّرت اتفاقياتهما كخطواتٍ نحو سلامٍ شاملٍ من شأنه أن يحلّ القضية الفلسطينية في نهاية المطاف. وإذا ما تخلّت إسرائيل علنًا عن هذا المبدأ من خلال الضمّ والتهجير الجماعي المُفتعل، فإنّ هذه المعاهدات ستكون قد أصبحت سامّةً سياسيًا، حتى وإن لم تُلغَ رسميًا".
أما بالنسبة لدول الخليج التي طبعت العلاقات بموجب الاتفاقيات الإبراهيمية- الإمارات والبحرين والمغرب – فقد رأى أن التناقض صارخٌ بنفس القدر. فقد قدّمت هذه الدول التطبيع كوسيلةٍ لكسب نفوذٍ للفلسطينيين وتعزيز الاستقرار والازدهار الإقليميين. لكنّ أجندة "إسرائيل الكبرى" تكشف زيف هذه الرواية، وتُعيد صياغة التطبيع على أنّه تواطؤٌ في احتلالٍ دائم.
الصعيد الدولي
على الصعيد الدولي، يرى مئير أن تقدّم "إسرائيل الكبرى" يُسرّع من تحوّل إسرائيل من حليفٍ مُتنازعٍ عليه إلى دولةٍ ينظر إليها الكثيرون بشكلٍ متزايد على أنّ سلوكها لا يتوافق مع نظامٍ قائمٍ على القواعد. المبادئ ذات الصلة واضحة: لا يُمكن الاستيلاء على الأرض بالقوة، وللشعوب الحق في تقرير المصير، وحقوق الإنسان الأساسية عالمية. وتنتهك سياسات الضمّ الإسرائيلية كلّ هذه المبادئ جهارًا نهارًا.
ومضى الكاتب إلى القول: "يضع هذا الواقع حلفاء إسرائيل الغربيين، وعلى رأسهم الإدارات الأمريكية المستقبلية، في موقف تناقض أخلاقي واستراتيجي حاد. فواشنطن تستند إلى هذه المبادئ نفسها، ومع ذلك تستمر في تسليح وتمويل وحماية حكومة إسرائيلية ترسخ هيمنتها الدائمة على شعب آخر. وإذا التزمت الولايات المتحدة الصمت أو التساهل، فإنها ستعزز الاعتقاد بأن القانون الدولي يُطبق بشكل انتقائي لأغراض جيوسياسية. وهذا الاعتقاد سيضعف مصداقية الغرب ويجعل التعاون في الأزمات الدولية الأخرى أكثر صعوبة".
وحذر من أن هناك أيضًا تبعات أشد خطورة: فمع تزايد تعريف إسرائيل لنفسها بمصطلحات عرقية دينية، وادعائها التحدث باسم اليهود في جميع أنحاء العالم، فإن الغضب من السياسة الإسرائيلية سيزيد من حدة العداء تجاه المجتمعات اليهودية في الخارج. وبهذا المعنى، فإن مشروع إسرائيل الكبرى لا يُهدد الفلسطينيين والاستقرار الإقليمي فحسب، بل يُهدد أيضًا الأمن اليهودي خارج حدود إسرائيل، وهو ما يتنافى مع مبرر وجود إسرائيل.
التكلفة الأخلاقية والفلسفية
من الناحية الأخلاقية والفلسفية، قال مئيلا إن السعي وراء إسرائيل الكبرى لا يُمثل تحقيقًا للتاريخ اليهودي، بل قطيعة عميقة معه. يربط الفكر الحاخامي الكلاسيكي السيادة اليهودية بالضبط الأخلاقي والقانون، بينما يُقيّم التراث النبوي السلطة بعدلها تجاه الضعفاء والغرباء. ولا يمكن لدولة تُعرّف نفسها من خلال الهيمنة الدائمة على الآخرين أن تُقدّم نفسها بمصداقية على أنها تجسيد لهذا الإرث.
واعتبر أن أيديولوجية "إسرائيل الكبرى" اليهودية تختزل إلى مجرد مطالبة قبلية بالأرض، مجردة من أي مضمون أخلاقي عالمي. وتعيد صياغة الذاكرة اليهودية لا كمصدر للتعاطف مع المهجرين، بل كمبرر لتهجير الآخرين. وقال إن هذا الانقلاب خطير وجوديًا، لأن نظامًا سياسيًا مبنيًا على ظلم مؤسسي قد يُثير الخوف، لكنه لا يستطيع حشد شرعية دائمة. من هذا المنطلق، قد يُشكل التوجه نحو "إسرائيل الكبرى" بداية انهيار إسرائيل كدولة قابلة للحياة: حصنٌ يتآكل من الداخل بفعل الأساليب التي يستخدمها للدفاع عن نفسه.
ما يجب على الحلفاء فعله
وشدد مئير على أنه إذا كان حلفاء إسرائيل - وبخاصة الولايات المتحدة وألمانيا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي والدول العربية - جادين في منع إسرائيل من هذا المسار التدميري الذاتي، مع تعزيز فرص قيام دولة فلسطينية، فعليهم تجاوز الاهتمام الشكلي والخطابات الجوفاء إلى العمل الملموس.
مع ذلك، قال: "لا أتوقع من الإدارة الأمريكية في عهد ترامب، ولا من ألمانيا التي تدعم إسرائيل دعمًا أعمى، اتخاذ أي إجراء ملموس لثني حكومة نتنياهو الحالية عن المضي قدمًا في مشروعها الكارثي لإنشاء "إسرائيل الكبرى". لكن عليهم أن يتذكروا أن تقاعسهم لا يقضي فقط على أي أمل في سلام إسرائيلي فلسطيني، بل إنهم في الواقع يعرضون أمن إسرائيل للخطر، وهو ما يفترض أنهم يسعون لحمايته. كما أنهم يتواطؤون في جرائم إسرائيل ضد الإنسانية".
ورأى أن احتمال تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، والذي قد يعقب الانتخابات المقبلة في أكتوبر، يتيح فرصة سانحة للضغط عليها لتغيير مسارها، بدءًا بإنهاء التطهير العرقي الممنهج والوحشي في الضفة الغربية، واستمرار عمليات القتل وتدمير ما تبقى من البنية التحتية في غزة. فيما يلي بعض الإجراءات التي يمكن اتخاذها فورًا لمنع كارثة أخرى:
1- المطالبة بوقف فوري لتوسع المستوطنات والإرهاب الاستيطاني ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وربط أي مساعدات عسكرية بالوقف الفوري لضم الأراضي الفلسطينية.
2- وقف نقل أي أسلحة تُستخدم لترسيخ الاحتلال، وفرض عقوبات على استيراد أي منتج يُصنع في المستوطنات، كما أعلنت كندا والمملكة المتحدة وفرنسا مؤخرًا.
3- دعم آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
4- على الرغم من اعتراف العديد من القوى الغربية بدولة فلسطين، فإن هذا الاعتراف لا قيمة له ما لم تُوسّع الدعم المالي والسياسي والقانوني للمجتمع المدني الفلسطيني، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والحركات السلمية المقاومة للتهجير.
5- تنسيق الضغط الدبلوماسي من خلال المسيرات المشتركة، وسحب السفراء، وتخفيض مستوى الزيارات رفيعة المستوى.
6- بالنسبة للدول العربية التي تربطها علاقات سلمية مع إسرائيل، ينبغي عليها تخفيض مستوى بعثاتها الدبلوماسية في إسرائيل والتهديد بسحب سفرائها إذا استمرت إسرائيل في سياستها التوسعية.
وأكد مئير أن هذه هي الإجراءات الدنيا المتوافقة مع المبادئ التي يدّعي حلفاء إسرائيل التمسك بها في أماكن أخرى. الخيار واضح: إما التحرك الآن لوقف مشروع إسرائيل الكبرى، أو التواطؤ في نظام هيمنة دائم وتقويض مصالحها الجيوسياسية ومصداقيتها الأخلاقية لعقود قادمة.
https://middle-east-online.com/en/greater-israel-delusion-may-undo-israel-0

